نظمت الغرفة الامانية العربية للصناعة والتجارة (AHK Egypt) منتدى الهيدروجين الأخضر في مصر 2026، الذي نفذته الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في يومي الثلاثاء والأربعاء، 21 و22 أبريل 2026. انعقد المنتدى في فندق سوفيتيل الجزيرة تحت شعار ”الاقتصاد الدائري للهيدروجين الاخضر“ في إطار الشراكة المصرية الألمانية للهيدروجين الأخضر التي تم تأسيسها بموجب إعلان النوايا المشترك الموقع بين وزارة المانيا الاتحادية للشؤون الاقتصادية والطاقة (BMWE) ووزارة الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة المصرية (MOERE) وعلى مدار يومين متتاليين، جمع المنتدى كبار ممثلي الحكومة المصرية والمؤسسات المالية الدولية والتكنولوجيا الألمانية ومطوري المشاريع، لتعميق المناقشات حول تحويل مفهوم اقتصاد الهيدروجين الدائري من إطار نظري إلى نماذج عملية قابلة للتطبيق.
افتتح اليوم الأول بكلمتين رئيسيتين تحت شعار ”لحظة الهيدروجين في مصر“، حيث أعاد الدكتور ميغيل هاوبريش سيكو، رئيس القسم الاقتصادي بالسفارة الألمانية بالقاهرة، التأكيد على التزام ألمانيا طويل الأمد بقطاع الهيدروجين الأخضر في مصر، مشددًا على أن برلين لا تزال تنظر إلى الهيدروجين باعتباره ركيزة أساسية لاقتصاد مستقبلي محايد مناخيًا، مدعومًا بآليات مثل صناديق تطوير H2Global وPtX. من ناحية أخرى، استعرض المهندس أحمد محروس، المدير العام للبحوث والدراسات الطاقية بوزارة الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة المصرية، التقدم الذي أحرزته البلاد في إطار «الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون»، مشيرًا إلى أن مصر تهدف إلى الاستحواذ على ما بين 5% و8% من الطلب العالمي على الهيدروجين بحلول عام 2040. وسلط الضوء على الركائز التشريعية والهيكلية التي تدعم هذا الطموح، بما في ذلك قانون حوافز الهيدروجين الأخضر الصادر في يناير 2024، وتخصيص 42,000 كيلومتر مربع لمشاريع الطاقة المتجددة، واتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأجل التي تمتد حتى 25 عامًا.
وتلا ذلك جلسة بعنوان «فجوة المهارات في الاقتصاد الدائري»، أدارتها الدكتورة منى أيوب، مديرة مركز الكفاءات للمهارات والتدريب في الغرفة الامانية العربية للصناعة والتجارة في مصر، والتي ركزت على التحدي المتمثل في رأس المال البشري الذي يشكل أساس نشر تقنيات الهيدروجين. وأكد ممثل جامعة ميونيخ التقنية والجامعة الأمريكية بالقاهرة وأكاديمية السويدي التقنية وشركة سيمنز إنيرجي أن التحدي الذي تواجهه مصر لا يكمن في إعداد متخصصين في مجال الهيدروجين بمعزل عن غيرهم، بل في الانتقال من التعليم النظري المجزأ إلى التدريب العملي متعدد التخصصات الذي يجمع بين الهندسة وأنظمة الطاقة والسياسة العامة وإدارة النظم الصناعية. وأكد المتحدثون على أهمية التدريب العملي المباشر، وبيئات التعلم التطبيقي، والتكامل الأقوى بين التعليم المهني والتعليم العالي مع سلاسل القيمة المحلية؛ وهو نهج يُعتبر ضروريًا لتوطين القدرات الصناعية وتقليل الاعتماد طويل الأمد على نماذج تنفيذ المشاريع الخارجية.
في الجلسة التي حملت عنوان «الهيدروجين الأخضر عبر القارة»، امتدت المناقشات لتشمل مكانة مصر ضمن المشهد الأوسع للهيدروجين في أوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك منصة التكامل مع هياكل الطلب الأوروبية. أما الجلسة التالية والأخيرة لهذا اليوم، ”التدوير في ظل الصراع“، التي أدارها خالد عزب، مدير أول تطوير الأعمال في شركة TAQA Arabia، فقد قدمت واحدة من أكثر المناقشات الاستراتيجية صراحة في المنتدى. وشارك في الجلسة كل من الدكتورة هالة رمضان، مديرة التخطيط الاستراتيجي في هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة (NREA)؛ ومصطفى الباجوري، الرئيس التنفيذي لشركة Siemens Industrial؛ وأحمد حافظ، المدير الاقليمي لشركة AMEA Power؛ وعلاء كمال، المدير العام لشركة INP؛ ورولاند هارينغز، الرئيس التنفيذي لقسم إعادة تدوير المعادن بشركة Elsewedy Electric، وتناولوا التوترات المحيطة بتوزيع الكهرباء المتجددة المحدودة بين إنتاج الهيدروجين، والاستهلاك المباشر من الشبكة، وتحلية المياه؛ وهشاشة اقتصاديات الأمونيا الخضراء أمام تقلبات أسعار الأمونيا الرمادية المرتبطة بأسواق الغاز؛ والتحدي المتمثل في توسيع نطاق تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي لخفض التكاليف. وقد ظهر إجماع سائد على أنه ينبغي إعطاء الأولوية للطلب المحلي قبل الصادرات، حتى وإن اختلف المشاركون حول سبل التنفيذ.
في اليوم الثاني، انتقل المنتدى من المناقشات المؤسسية والهيكلية إلى مناقشة التمويل والتنفيذ على نطاق واسع. وأكد طارق هاشم، المدير العام لعلاقات المستثمرين في منطقة قناة السويس الاقتصادية (SCZONE)، أن مصر قد تجاوزت مرحلة التخطيط النظري داخل المنطقة، مشيرًا إلى معالم تنفيذية ملموسة، منها إحدى أولى عمليات التزويد بالوقود الأخضر في المنطقة التي توفر الميثانول الأخضر في شرق بورسعيد، إلى جانب مشاريع الأمونيا المتجددة المرتبطة بمبادرة H2Global الألمانية.
ثم انتقل المنتدى إلى حوار ”تمويل الهيدروجين الدائري“، الذي أداره الأستاذ الدكتور تيسير أبو النصر، المؤسس المشارك والمستشارة لمركز تحليل النظم التطبيقية لشمال إفريقيا في معهد التخطيط القومي في مصر. وقد أوجز رفيق سليم، رئيس سياسات المناخ لمنطقة جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (EBRD)، وفريد محمدي، المدير العام لشركة Power-to-X D&G GmbH، القيود التمويلية التي تواجه مشاريع الهيدروجين الأخضر واستكشفا كيف يمكن لمبادئ الاقتصاد الدائري أن تقلل من مخاطر المشاريع بدلاً من مجرد إضافة أعباء تكلفة. وأشار محمدي إلى أن إنتاج الهيدروجين الأخضر العالمي لا يزال يمثل حصة هامشية فقط من إجمالي إنتاج الهيدروجين، حيث ستضيف عام 2025 مليون طن من الطاقة الإنتاجية الجديدة للهيدروجين على مستوى العالم، لن يأتي سوى 30% منها من التحليل الكهربائي الأخضر.
ركزت الجلسة الثانية لهذا اليوم، التي حملت عنوان «الهيدروجين للمصريين أولاً: من طموح التصدير إلى المرونة المحلية»، على تعزيز المرونة الوطنية من خلال الهيدروجين الأخضر، وأدارها لورنزو فينغوت، رئيس قسم التحول الأخضر والرقمي في بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر. وناقش المتحدثون، ومن بينهم محمد السملوي، الرئيس التنفيذي لشركة EDF Power Solutions؛ وشريف دوس، عضو مجلس الإدارة ورئيس الشؤون المالية في شركة يارا للزراعة؛ وريتشارد غرزيمبا، مدير تطوير الأسواق في شركة ANDRITZ Environment & Energy، التفاعل بين القدرة التنافسية في التصدير والمرونة الصناعية المحلية. وكشف السملوي أن مشروع EDF في البحر الأحمر يهدف إلى إنتاج مليون طن من الأمونيا الخضراء سنويًا على ثلاث مراحل من موقع يتمتع بمعامل طاقة استثنائي يبلغ 60٪، ومن المقرر الانتهاء من المرحلة الأولى بحلول عام 2030. واتفق المشاركون بشكل عام على أن نضج أنظمة شهادات RFNBO الأوروبية، وانخفاض تكاليف أجهزة التحليل الكهربائي، وزيادة الطلب المحلي التدريجي من خلال الأسمدة والصلب، ستكون ركائز لا غنى عنها لاستدامة الهيدروجين في مصر على المدى الطويل.
اختتم المنتدى بجلسة ختامية بقيادة علي حبيب من منصة MED-GEM الأوروبية، ركزت على آليات الدعم الفني المتاحة لمطوري الهيدروجين المصريين للوفاء بمتطلبات الامتثال لـ RFNBO وآلية تعديل الحدود الكربونية الأوروبية (CBAM).
على مدار يومين من المناقشات، أوضح المنتدى أن الرهان الاستراتيجي الحقيقي لمصر لم يعد يقتصر على إنتاج الهيدروجين الأخضر بحد ذاته فحسب، بل على مدى فعالية دمج الهيدروجين في إطار استراتيجية صناعية واقتصادية أوسع نطاقاً تحقق التوازن بين الطلب المحلي والأمن الغذائي وإزالة الكربون والقدرة التنافسية التصديرية. بشكل عام، أكدت المناقشات على الدور المتطور لمصر في إطار الشراكة المصرية الألمانية للهيدروجين الأخضر، ليس فقط كسوق واعد أو منصة للتصدير، بل كلاعب إقليمي ناشئ في تشكيل اقتصاد هيدروجين دائري أكثر نضجًا ومرونة وفعالية.