شاركتُ يوم 25 نوفمبر2025 في جلسة تنفيذية ضمن فعالية NextGen Industry التي نظمتها الغرفة الألمانية العربية للصناعة والتجارة (AHK) مصر. وقد جمعت الجلسة نخبة من القيادات الصناعية والأكاديمية ومزودي التكنولوجيا العالميين لمناقشة كيفية قيام الذكاء الاصطناعي بإعادة تشكيل المسار الاقتصادي لمصر ودعم مستهدفات رؤية مصر 2030.
وقد أبرزت النقاشات الفرص والتحديات التي تواجه المؤسسات خلال سعيها لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. واتفق المشاركون على رسالة أساسية واضحة نجاح مبادرات الذكاء الاصطناعي يعتمد على العقلية القيادية بقدر ما يعتمد على التكنولوجيا.
1- المواهب والعقلية: حجر الأساس للجاهزية في مجال الذكاء الاصطناعي
تبدأ رحلة التحول بالذكاء الاصطناعي من الإنسان. فالانتقال نحو عمليات مدعومة بالذكاء الاصطناعي يتطلب من الموظفين فهم الأنظمة الذكية، والثقة بها، واستخدامها بفعالية.
- لم يعد التدريب المستمر، وإعادة التدريب، وصقل المهارات خياراً؛ بل أصبح استثماراً ضرورياً للحفاظ على القدرة التنافسية.
- يؤثر الذكاء الاصطناعي في ثقافة العمل، ويُسرّع اتخاذ القرارات، ويتيح مستويات جديدة من الكفاءة عبر مختلف الإدارات.
- سيُعرَّف مستقبل القوى العاملة بالقدرات المعزَّزة؛ فالأفراد المزودون بأدوات الذكاء الاصطناعي سيتفوقون على من يعتمدون على الأساليب التقليدية فقط. وكما ورد في الجلسة: "الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيتفوقون على أولئك الذين لا يستخدمونه."
- إن تبنّي عقلية إيجابية تجاه الذكاء الاصطناعي يقلل المقاومة ويعزز الاعتماد ويُسهِّل دمج الأنظمة الجديدة.
2- البيانات والبنية التحتية: بناء قاعدة قابلة للتوسع
يتطلب الذكاء الاصطناعي بنية رقمية قوية. فمن دون بيانات موثوقة وبنية تحتية حديثة، ستظل المؤسسات عالقة في مرحلة التجارب الأولية.
- تمثل البيانات النظيفة والمتناسقة والمتاحة العمود الفقري لأي مبادرة ذكاء اصطناعي ناجحة، ويظل ضمان جودة البيانات أحد أكبر التحديات في مختلف القطاعات.
- تمتلك العديد من المؤسسات بالفعل بيانات تشغيلية قيّمة قادرة على توفير رؤى فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يحقق مكاسب كبيرة في الكفاءة دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في الأنظمة.
- إن جاهزية البنية التحتية بما في ذلك الحوسبة السحابية، ومنصات البيانات، والاتصال، والقدرات الحسابية، تحدد ما إذا كان بالإمكان توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى نطاق المؤسسة بالكامل.
- الشركات التي تتعامل مع البيانات باعتبارها أصلاً استراتيجياً وتبني أطر حوكمة قوية ستسرّع وتيرة التبني وتقلل من التحديات التنفيذية.
3- القيادة والاستراتيجية: تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نتائج أعمال
أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم موضوعاً رئيسياً على مستوى مجالس الإدارة. ولم يعُد يُنظر إليه كوظيفة تقنية، بل كقدرة استراتيجية تؤثر مباشرة في الأداء المالي والتشغيلي.
- يجب على القيادات التنفيذية أن تطرح باستمرار سؤالاً محورياً: أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق قيمة قابلة للقياس داخل الأعمال؟
- تنجح المؤسسات عندما تربط مبادرات الذكاء الاصطناعي بنتائج أعمال واضحة مثل تحسين التكلفة، ونمو الإيرادات، ورفع كفاءة العمليات، وتعزيز تجربة العملاء.
- يتطلب التحول رؤية طويلة المدى بدلاً من مشروعات متفرقة؛ فالدعم التنفيذي، والتنسيق بين الإدارات، والاتصال المستمر عوامل أساسية للنجاح.
- الشركات التي تدمج الذكاء الاصطناعي في تخطيطها الاستراتيجي ستتمكن من بناء ميزات تنافسية مستدامة وتجاوز مرحلة التجارب المحدودة.
4- قياس القيمة: مؤشرات نضج الذكاء الاصطناعي
تمكّن المؤشرات الواضحة المؤسسات من متابعة التقدم وتبرير الاستثمارات المستقبلية. ويجري اليوم تقييم الذكاء الاصطناعي باستخدام عوائد مالية ومؤشرات أوسع للجاهزية التنظيمية.
أهم مؤشرات أداء الأعمال تشمل:
- العائد على الاستثمار من تطبيقات الذكاء الاصطناعي
- مكاسب الإنتاجية عبر العمليات
- تحسينات كفاءة الطاقة وتقليل التكاليف
- خفض فترات التوقف غير المخطط لها وزيادة عمر الأصول
وتبرز أيضاً مؤشرات على مستوى المنظومة الأوسع، منها:
- ازدياد عدد الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي في السوق المصري
- توسّع اعتماد فرق الصناعة على الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء وصنع القرار
- تحول واضح من العمليات التقليدية كثيفة الإجراءات إلى نماذج صناعية تعتمد على الذكاء والابتكار
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعةً ليس فقط المكاسب الحالية، بل أيضاً مسار تطور منظومة الذكاء الاصطناعي في مصر.
رؤية ختامية
أصبح الذكاء الاصطناعي بسرعة قدرة محورية لتعزيز القدرة التنافسية الصناعية. ومع تقدم مصر نحو تحقيق رؤية 2030، ستقود المؤسسات التي تستثمر في المواهب، وتعزز قواعد بياناتها، وتحدّث بنيتها التحتية، وتدمج الذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي الموجة المقبلة من التحول الصناعي.
فالفرصة كبيرة، والجهات التي تبدأ مبكراً ستتمتع بأفضلية طويلة المدى.